سيد قطب
2640
في ظلال القرآن
ألا يستكبروا على مرسله ويستعصوا ، وأن يأتوا إليه مستسلمين للّه الذي يخاطبهم باسمه . ألقت الملكة إلى الملأ من قومها بفحوى الكتاب ؛ ثم استأنفت الحديث تطلب مشورتهم ، وتعلن إليهم أنها لن تقطع في الأمر إلا بعد هذه المشورة ، برضاهم وموافقتهم : « قالَتْ : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ » . . وفي هذا تبدو سمة الملكة الأريبة ؛ فواضح منذ اللحظة الأولى أنها أخذت بهذا الكتاب الذي ألقي إليها من حيث لا تعلم ، والذي يبدو فيه الحزم والاستعلاء . وقد نقلت هذا الأثر إلى نفوس الملأ من قومها وهي تصف الكتاب بأنه « كريم » وواضح أنها لا تريد المقاومة والخصومة ، ولكنها لا تقول هذا صراحة ، إنما تمهد له بذلك الوصف . ثم تطلب الرأي بعد ذلك والمشورة ! وعلى عادة رجال الحاشية أبدوا استعدادهم للعمل . ولكنهم فوضوا للملكة الرأي : « قالُوا : نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ . وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ » . وهنا تظهر شخصية « المرأة » من وراء شخصية الملكة . المرأة التي تكره الحروب والتدمير . والتي تنضي سلاح الحيلة والملاينة قبل أن تنضي سلاح القوة والمخاشنة : « قالَتْ : إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها ، وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ . وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ » ! فهي تعرف أن من طبيعة الملوك أنهم إذا دخلوا قرية ( والقرية تطلق على المدينة الكبيرة ) أشاعوا فيها الفساد ، وأباحوا ذمارها ، وانتهكوا حرماتها ، وحطموا القوة المدافعة عنها ، وعلى رأسها رؤساؤها ؛ وجعلوهم أذلة لأنهم عنصر المقاومة . وأن هذا هو دأبهم الذي يفعلونه . والهدية تلين القلب ، وتعلن الود ، وقد تفلح في دفع القتال . وهي تجربة . فإن قبلها سليمان فهو إذن أمر الدنيا ، ووسائل الدنيا إذن تجدي . وإن لم يقبلها فهو إذن أمر العقيدة ، الذي لا يصرفه عنه مال ، ولا عرض من أعراض هذه الأرض . ويسدل الستار على المشهد ، ليرفع ، فإذا مشهد رسل الملكة وهديتهم أمام سليمان . وإذا سليمان ينكر عليهم اتجاههم إلى شرائه بالمال ، أو تحويله عن دعوتهم إلى الإسلام . ويعلن في قوة وإصرار تهديده ووعيده الأخير . « فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ : أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ ؟ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ . بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ، وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ » . . وفي الرد استهزاء بالمال ، واستنكار للاتجاه إليه في مجال غير مجاله . مجال العقيدة والدعوة : « أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ ؟ » أتقدمون لي هذا العرض التافه الرخيص ؟ « فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ » لقد آتاني من المال خيرا مما لديكم . ولقد آتاني ما هو خير من المال على الإطلاق : العلم والنبوة . وتسخير الجن والطير ، فما عاد شيء من عرض الأرض يفرحني « بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ » . وتهشون لهذا النوع من القيم الرخيصة التي تعني أهل الأرض ، الذين لا يتصلون باللّه ، ولا يتلقون هداياه ! ثم يتبغ هذا الاستنكار بالتهديد : « ارْجِعْ إِلَيْهِمْ » بالهدية وانتظروا المصير المرهوب : « فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها » جنود لم تسخر للبشر في أي مكان ، ولا طاقة للملكة وقومها بهم في نضال : « وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ » مدحورون مهزومون .